المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : رجل القش ـ قصة قصيرة..


kiko zino
07-05-2008, 03:00 AM
هناك عشرة آلاف دفان ينتظرون موتي. افتح الراديو او اغلقه، فتندفع اعواد القش لتملأ غرفتي، افتح النافذة فيدخل سيل قشي متسارع، اخرج رأسي واتسمع دون رغبة لاحاديث السابلة. لقد هيأ الدفانون منذ وقت طويل أكفانهم، وتوابيتهم الخشبية لهذه المناسبة الجليلة، حتى ان احدهم لم يكتف بما هو شائع، فجلب، زيادة على زملاء مهنته، تابوتاً خزفياً غريباً، بزخارف مهيبة، وكأن الدفان هذا سرقه من متحف للتاريخ، بعد ان ألقى بعظام صاحبه الفرعوني او السومري جانباً.
ولكن، لماذا هم منشغلون بجثتي هكذا؟ انها غير مفيدة، ستكون غير مفيدة، حتى بالنسبة لي، انا، صاحبها. ربما سيصنعون منها بعد ان تسكن اخر نأمة فيها دمية عرض ويبيعونها لمحال بيع الملابس والاكسسوارات، او يسترجعون من خلالها مهنة قديمة وشائعة، تحريك الدمى، سأكون مسلياً ومفيداً اكثر مما كنت اتصور لنفسي وانا حي. ربما، او ان الأمر كله يتعلق بمتحف للشمع، أنا عينة فريدة لفريسة صعبة المراس انقرضت سلالتها، ومن الضروري الاحتفاظ بنموذج يذكر بها، وبمن حاز عليها.
(من يقتل الداينصور الاخير، ستخلد صورته مع الديانصور المنقرض) سأطلب على اية حال ان تكتب هذه الجملة على شاهدة قبري.
ولأني لا اعرف بالضبط النوايا التي ترقد خلف هذا الانتظار الممض للحظة خروجي من الجثة الثمينة، فكرت ملياً، وقررت بعد حين أن لا امنحهم شيئاً. ليس لأني اهتممت بجثتي فجأة، وانما لأني اساساً اكره ان اكون جزءاً من شيء لا اعرفه. لهذا كرهت الدفانين، او انني كرهتهم لحظة اكتشفت أنني فريستهم المرتقبة.
أستغرقني التفكير، اثناء سيري في الشوارع، ورأيت القش يملأ الاجواء من حولي كما هي عادته، يتساقط على الخضار والفواكه، وعلى الخطوط البيضاء في منتصف اسفلت الشارع، فتغدو مرقطة بلون بني، فوق رؤوس النساء المتشحات بالسواد فيبدين وهن يتجولن في الاسواق كمن يضع على رأسه بضاعة لا قيمة لها. احدق في الوجوه، ثم ارفع رأسي الى السماء، فأرى رجل القش يمتطي غيوماً قشية داكنة اللون، تتحرك ببطء وتهمي بنعمائها دون هوادة.
وبسبب ذلك خطرت لي فكرة، سأملأ كفني بالقش، واسير في جنازتي، وابكي، ولحظة يودعون رجل القش في المقبرة، سأوقف المعزين والنادبين والنائحين والمتشفين والباردين عاطفياً وجنسياً، لأخطب بينهم في مزايا رجل القش، عليهم أن لا ينسوه بسرعة، فليقاوموا رياح الزمن، وليصبروا مع ذكرى هذا الرجل المهيب، فليكونوا لطفاء معه وهو يتشبع برطوبة التراب ويتعفن، لا تجعلوه يا اصحابي يتعفن بسرعة اكبر مما تفعله الطبيعة، فليتفسخ رويداً رويداً في ذاكراتكم بأيقاع موازٍ مع ما تفعله الارض بجثته الهشة، لا أسرع ولا أبطأ. وفي اللحظة التي ينتهي بها ويغدو هباءً منثوراً، ستكونون مدعوين على مأدبةٍ بهذه المناسبة أقيمها في نادي الاتحاد العام للدفانين الفيدراليين. ستكون على شرف النسيان الطبيعي، سنتذكر فيها اننا لم نعد نتذكر شيئاً، واننا سعداء بشركة التنظيف النسيانية، التي تأتي كل ليلةٍ وتكنس الشوارع من مصائب رجل القش، لن نخشى بعد اليوم إلتقاط صورة تذكارية، خوفاً من إمتلاء المشهد امامنا وخلفنا بنثار القش. سننام على الاسفلت ونثرثر او ندخن، ولن ينفض احدنا عن ملابس الاخر، حين نقوم، غير التراب، فما من قشة هناك. واذا اردتم ان تكرعوا من الماء الجاري بشفاهكم الولهى، فلن تخنقكم بعد اليوم حزمة من القش الطافي. وفي أولى قراراتي، او رجاءاتي الاخوية، سأطلب إلغاء قسم الامراض القشية، من كل المستشفيات، وسأحذف هذه الكلمة اليابسة والمتقصفة والدقيقة، والتي تدخل في كل شيء، من قاموس التداول اليومي.

الطلبات:
أولاً: غرامة قدرها ثلاثون على أية نكتة تتضمن القش ومشتقاته.
ثانياً: غرامة قدرها سبعون على أية ذكريات قشية تتجاوز العشر ثواني.
ثالثاً: مكافأة قدرها عشرون على أية مفردة جديدة غير يابسة وجافة ودقيقة تدخل القاموس.

لن اسمح ايضاً [ولكني سأطلب ذلك برجاء اخوي طبعاً] بأي متفيقهٍ او متعالمٍ يدعي ان رجل القش ترك وصية او ما شابه، وسألاحق الاغنام والماعز، حين تتجه الى مقبرته طلباً لقشةٍ هنا او هناك [ولكني طبعاً، سأطلب ذلك برجاءٍ لبائني وأخوي].
افكر بعدها طويلاً في كل المقترحات التي ترفع إليَّ بشأن المرحلة الجديدة، واستغرق في القنوط وازم شفتيَّ، حتى يأخذ الصحفيون صورةً لي وانا بهذا الوضع، ليحفظها التاريخ في ألبومه. وآمر بعد إجهاد نفسٍ وإعمال فكر، بتنفيذ ذلك المشروع الذي سيتحكم بحركة الرياح، فلا تجلب لنا، والى بيوتنا وموائد طعامنا النثار المتفسخ للجثث القشية من الدول المجاورة.
ولكن.. هل هذه كل الحكاية؟ لماذا ينتابني هاجس غريب كلما نظرت الى المرآة؟ لماذا اشعر انني انظر الى صورة لا اعرفها تماماً؟ هل بدلت مسار الريح من اجل تسهيل خدمات شركة التنظيف النسيانية، ام من اجلي انا؟ هل كان ذلك بسبب خشيتي من الريح؟ وخوفي على جسدي الهش من التبعثر فيما لو داهمتني هبة هواء عنيفة؟
ذهبت الى نادي الاتحاد العام للدفانيين الفيدراليين، استقبلوني بالهتافات والتصفيق والتهليل، لكني اغلقت باب النادي وطلبت منهم بهدوء ورجاء اخوي ان يجيبوني بصدق على سؤال محدد.. من الذي دفن في المقبرة؟ هل كان رجل القش، أم أنا؟.. لكن احداً لم يجبني، وبعد ان امرت باغلاق جميع النوافذ، واجلستهم مثل خراف الاضاحي جنباً الى جنب، تمكنوا من تقدير سؤالي الاخوي حق قدره، فانبرى احدهم، وكان السكرتير العام لجمعية حقوق الدفانين، وقدم لكلامه بخطبة قصيرة تحدث فيها عن التاريخ والجغرافيا والقراءة والحساب، ثم قال:
ـ ما الذي تخشى منه يا سيدي؟ ليس هناك من داعٍ لقلقك. حتى اننا ـ والكل يشهد ـ لم ندفن منذ زمان بعيد، بسبب زمنك السعيد، اي انسان او دابة. وهذا الذي تسأل عنه، كان شخصاً مريضاً بالربو، لم يخرج في حياته من غرفته، خشية الغرق بالقش المبارك. ولقد غادر البلاد منذ زمان واسترحنا منه.
قال سكرتير جمعية حقوق الدفانين ذلك، ولم ينه كلماته، إلا والابواب والشبايك ترتج مفتوحة على مصاريعها امام هجمة رياح عاتية. لقد فشل مشروعي بترويض الرياح اذن. وها هي امواج من القش تغطي كل شيء، فيتراقص الجميع مزهوين بالقش المبارك الذي يلتف حولهم وفوقهم ويهمي كيفما شاء. وكانت تلك فرصة كي افرد ملابسي واتبعثر في الهواء السريع.
تكومت ملابسي فارغة امام المنصة، فهذا ما ستأخذونه من جثتي ايها الدفانون السعداء.
[عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل لمشاهدة الرابط]